الحاضنة البحثية كمقترح لتوجيه البحث العلمي في الجامعات السورية الحكومية والخاصة لخدمة المجتمع

الحاضنة البحثية كمقترح لتوجيه البحث العلمي
في الجامعات السورية الحكومية والخاصة لخدمة المجتمع:
دراسة مقارنة في ضوء التجارب الغربية
إعداد
أ. د/ محمد خير الوزير
رئيس أكاديمية جنيف للعلوم القانونية والدبلوماسية — إعادة الانطلاق الإنساني (GADDS)
المركز الدولي جون نوكس — لو غران-ساكونيه — جنيف — سويسرا
الملخّص
هدفت هذه الدراسة إلى رصد واقع البحث العلمي في الجامعات السورية الحكومية والخاصة في ضوء المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سوريا منذ أواخر عام 2024، وإجراء دراسة مقارنة منهجية بينها وبين الجامعات الغربية الرائدة في مجال أساليب البحث العلمي ومؤشراته ومخرجاته، واقتراح نموذج الحاضنة البحثية إطاراً تنظيمياً لتوجيه البحث العلمي نحو خدمة المجتمع السوري وإعادة إعماره. اعتمدت الدراسة المنهجَ الوصفي التحليلي المقارن، وتوصّلت إلى أن الجامعات السورية تعاني من انحطاطٍ عميقٍ في مستوى البحث العلمي يتجلّى في شُحّ المنشورات الدولية، وغياب الحاضنات البحثية، وضعف الشراكة مع القطاع الإنتاجي، وتداعيات هجرة الكفاءات العلمية. وفي المقابل، تتقدّم الجامعات الغربية بفضل منظومات بحثية متكاملة تُجسّد الربط الحيّ بين الأكاديميا والصناعة والمجتمع. وأوصت الدراسة بضرورة إنشاء حاضنات بحثية في الجامعات السورية، وبناء استراتيجية وطنية للبحث العلمي تتوافق مع متطلبات إعادة الإعمار والتنمية المجتمعية.
الكلمات المفتاحية: الحاضنة البحثية؛ البحث العلمي؛ الجامعات السورية؛ الجامعات الحكومية؛ الجامعات الخاصة؛ الدراسة المقارنة؛ إعادة الإعمار.
Abstract
This study aims to examine the state of scientific research in Syrian public and private universities in light of Syria's transitional phase since late 2024, to conduct a systematic comparative analysis between them and leading Western universities in terms of research methods, indicators, and outputs, and to propose the Research Incubator model as an organizational framework for directing scientific research towards serving Syrian society and contributing to reconstruction efforts. The study adopts a descriptive-analytical-comparative methodology and concludes that Syrian universities suffer from deep deterioration in scientific research, manifested in the scarcity of international publications, the absence of research incubators, weak partnerships with the productive sector, and the consequences of academic brain drain. Western universities, by contrast, have developed integrated research ecosystems that create a living link between academia, industry, and society. The study recommends the establishment of research incubators in Syrian universities and the development of a national research strategy aligned with reconstruction and development requirements.
Keywords: Research incubator; scientific research; Syrian universities; public universities; private universities; comparative study; reconstruction.
المقدمة
يُمثّل البحث العلمي الوجهَ الحضاري لأي أمةٍ؛ إذ يُقاس تقدّم الشعوب بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها في خدمة مجتمعاتها وبناء اقتصاداتها. وفي عصرٍ تهيمن عليه ثورة المعلومات والتحوّلات التكنولوجية المتسارعة، باتت الجامعات تُشكّل الرافعة الحقيقية للتنمية الشاملة، لا من خلال وظيفتها التعليمية وحسب، بل من خلال دورها البحثي الاستراتيجي المرتبط ارتباطاً عضوياً بمتطلبات المجتمع وقطاعات الإنتاج والتنمية.
وتمرّ سوريا اليوم بمرحلة انتقالية تاريخية بالغة الأهمية، في أعقاب عقدٍ مريرٍ من الصراع المسلح الذي امتدّ من عام 2011 إلى عام 2024، وخلّف دماراً شاملاً في البنى التحتية الأكاديمية والبحثية؛ إذ هُجِّر آلاف الأساتذة والباحثين، وتدهورت إمكانات المختبرات والمرافق الجامعية، وانقطعت الصلة بالمجتمع العلمي الدولي. وفي ظل هذا الواقع الصعب، تجد الجامعات السورية الحكومية والخاصة نفسها أمام تحدٍّ وجودي يتمثّل في إعادة بناء منظومتها البحثية على أسسٍ متينة، وتوجيه بحثها العلمي نحو خدمة متطلبات إعادة الإعمار والتنمية المجتمعية.
وبالنظر في واقع البحث العلمي في هذه الجامعات، يتبيّن أن المنهج التقليدي الذي ساد عقوداً لا يزال يُهيمن على توجهاتها البحثية؛ فالبحث في معظمه منفصلٌ عن قضايا المجتمع، ومنبتّ الصلة بالقطاع الإنتاجي والخاص، بعيداً عن آليات نقل المعرفة وتحويل الأفكار إلى مشاريع اقتصادية وتنموية ملموسة. وهذا ما يُرسّخ الفجوة المتسعة بين الجامعة والمجتمع، ويُضيّع فرصاً ثمينة لمساهمة الجامعة الحقيقية في إعادة بناء سوريا.
وفي المقابل، طوّرت الجامعات الغربية —لا سيما الأمريكية والأوروبية— نماذج ريادية في هذا الشأن؛ إذ باتت الحاضنات البحثية الجامعية ركيزةً أساسيةً في منظومة الابتكار والتنمية الاقتصادية في هذه الدول. فمن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى جامعة أكسفورد، مروراً بجامعة ميونيخ التقنية ومعاهد فراونهوفر، تُجسّد هذه النماذج الجامعية الريادية الربطَ الحيَّ بين التميّز الأكاديمي والانخراط المجتمعي والشراكة الصناعية، مما جعل الجامعات الغربية رافداً حقيقياً للاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة.
من هذا المنطلق تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على واقع البحث العلمي في الجامعات السورية الحكومية والخاصة، ورصد مواطن الخلل والقصور فيه، وإجراء دراسة مقارنة منهجية مع نظيراتها في الجامعات الغربية للوقوف على أبعاد الفجوة البحثية القائمة وأسبابها وتداعياتها، واقتراح نموذج الحاضنة البحثية إطاراً تنظيمياً وظيفياً يُسهم في توجيه البحث العلمي نحو خدمة المجتمع السوري في هذه المرحلة التحوّلية الفارقة.
مشكلة الدراسة
تتجلّى مشكلة الدراسة في وجود هوّةٍ عميقةٍ بين البحث العلمي في الجامعات السورية من جهة، ومتطلبات المجتمع وقطاعات الإنتاج والتنمية من جهة أخرى؛ إذ يظلّ البحث الأكاديمي في معظمه منغلقاً على ذاته، بعيداً عن الإشكاليات الحقيقية التي يعانيها المجتمع السوري في مرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب إسهاماً علمياً فاعلاً. ويُضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية البحثية وشُحّ التمويل وغياب آليات الربط بين الجامعة والقطاعين العام والخاص، فضلاً عن تفاقم ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية إلى الخارج التي أفقرت المؤسسات الأكاديمية كفاءاتها الأكثر إنتاجاً. وتتبلور مشكلة الدراسة في التساؤل الرئيس الآتي: كيف يمكن الإفادة من نموذج الحاضنة البحثية في توجيه البحث العلمي بالجامعات السورية الحكومية والخاصة لخدمة المجتمع، في ضوء التجارب الغربية؟
وتتفرّع من هذا التساؤل الأسئلة البحثية الفرعية الآتية:
١. ما الإطار الفكري للحاضنة البحثية في الجامعات؟
٢. ما واقع البحث العلمي الموجّه لخدمة المجتمع في الجامعات السورية الحكومية والخاصة في المرحلة الراهنة؟
٣. ما أوجه التباين بين منظومة البحث العلمي في الجامعات السورية ونظيراتها الغربية وفق مؤشرات موضوعية؟
٤. ما المقترح لتوجيه البحث العلمي بالجامعات السورية لخدمة المجتمع وفق نموذج الحاضنة البحثية؟
منهجية الدراسة
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي المقارن، بوصفه الأنسب لتحقيق أهدافها؛ إذ يرمي هذا المنهج إلى وصف الظاهرة وتحليلها وتفسيرها من خلال المقارنة المنهجية بين نظامَي التعليم العالي السوري والغربي فيما يخصّ البحث العلمي وأساليبه ومؤشراته ومخرجاته (عبيدات وآخرون، 2019، ص142). وقد استعانت الدراسة بمصادر متعددة تشمل: الأدبيات الأكاديمية المحكَّمة في مجال الحاضنات البحثية والجامعات الريادية، والتقارير الدولية الصادرة عن منظمة اليونسكو والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والإحصاءات المتاحة حول المنشورات الدولية وتصنيفات الجامعات، والوثائق الرسمية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية.
أ- الأسلوب المنهجي المتّبع في الدراسة:
اعتمدت الدراسة أسلوباً مقارناً ثلاثي المستوى يقوم على:
(أ) التحليل الوصفي لواقع البحث العلمي في الجامعات السورية؛ (ب) التحليل المقارن بين الجامعات الحكومية والخاصة السورية؛ (ج) المقارنة عبر الحدود بين الجامعات السورية والجامعات الغربية الرائدة. وذلك في ضوء مؤشرات بحثية قابلة للقياس والمقارنة الموضوعية.
ب- حدود الدراسة:
اقتصرت هذه الدراسة على واقع البحث العلمي في الجامعات السورية العاملة في ظل الحكومة السورية الحالية، شاملةً الجامعات الحكومية والخاصة المرخّصة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية، مع المقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا بوصفها نماذج للجامعات الغربية الرائدة في مجال الحاضنات البحثية.
أهداف الدراسة
تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
١. التعرّف على الإطار الفكري للحاضنة البحثية وتطبيقاتها في الجامعات الغربية الرائدة.
٢. الكشف عن واقع البحث العلمي الموجّه لخدمة المجتمع في الجامعات السورية الحكومية والخاصة في ضوء مرحلة ما بعد 2024.
٣. إجراء دراسة مقارنة منهجية بين منظومة البحث العلمي السورية ونظيراتها الغربية وفق مؤشرات موضوعية قابلة للقياس.
٤. إعداد مقترح تفصيلي لتوجيه البحث العلمي في الجامعات السورية لخدمة المجتمع وفق نموذج الحاضنة البحثية.
مصطلحات الدراسة
أ- الحاضنة البحثية (Research Incubator):
تُعرَّف بأنها «إطارٌ تنظيمي يدعم تبنّي الأفكار والبحوث الابتكارية من قِبَل الأفراد والباحثين، وأخذ هذه الأفكار وتطويرها واستثمارها والوصول بها إلى نقطة يمكن من خلالها جذب الاستثمار وتحقيق الأثر المجتمعي» (Etzkowitz, 2002, p. 115). وتتميّز الحاضنة البحثية الجامعية بكونها تقوم داخل الجامعة أو مرتبطةً بها، مستثمرةً طاقتها البشرية وبنيتها التحتية في تحويل نتائج البحث إلى مشاريع اقتصادية وتنموية ذات أثرٍ مجتمعي ملموس.
ب- انحطاط البحث العلمي (Research Deterioration):
يُقصد بانحطاط البحث العلمي في سياق هذه الدراسة: تراجع مستوى الإنتاج البحثي كمّاً ونوعاً، وضعف ارتباطه بقضايا المجتمع ومتطلبات التنمية، وانخفاض معدلات الاستشهاد الدولي به، وتدنّي مؤشرات التصنيف الدولي للجامعات، وغياب المنظومة المؤسسية التي تُحوّل البحث إلى ابتكار وتأثير اجتماعي واقتصادي ملموس.
ج- الجامعة الريادية (Entrepreneurial University):
هي الجامعة التي تتجاوز أدوارها التقليدية في التعليم والبحث إلى تأدية «دورٍ ثالث» يتمثّل في دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال نقل التكنولوجيا وإنشاء المشاريع المبتكرة ونسج الشراكات مع القطاع الإنتاجي والمجتمع المدني (Clark, 1998, p. 4). ويُعدّ هذا النموذج المرجعَ الذي تسعى هذه الدراسة إلى تأصيله في السياق الجامعي السوري.
أهمية الدراسة
تكتسب هذه الدراسة أهميتها من عدة أوجه:
أولاً — الأهمية النظرية؛ إذ تُضيف إلى الأدبيات العربية في مجال إدارة البحث العلمي وتطوير الجامعات نموذجاً تحليلياً ومقارناً يتناول الحالة السورية بعمق وتأصيل علمي، في ظل شُحّ الدراسات التي تتناول هذا الملف في سياقه السوري الخاص.
ثانياً — الأهمية التطبيقية؛ إذ تُقدّم لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية ولإدارات الجامعات الحكومية والخاصة مقترحاً عملياً قابلاً للتطبيق لإنشاء حاضنات بحثية تُوجّه البحث العلمي نحو خدمة متطلبات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
ثالثاً — الأهمية التوقيتية؛ إذ تأتي في لحظة فارقة من تاريخ سوريا تفرض فيها متطلبات المرحلة الانتقالية إعادة النظر في منظومة التعليم العالي بكليّتها، وإحداث تحوّلٍ جذريٍّ في ثقافة الجامعة ودورها البحثي المجتمعي.
الدراسات السابقة
يُعرض فيما يأتي استعراضٌ للدراسات السابقة ذات الصلة وفق تسلسلها الزمني:
١- «دور الجامعات في دعم الابتكار في دول ما بعد الصراع» (UNESCO, 2020):
هدفت هذه الدراسة إلى تقييم دور مؤسسات التعليم العالي في دول ما بعد الصراع في نهضتها الاقتصادية وإعادة إعمارها، واعتمدت المنهج الوصفي المقارن على عيّنة من دول شملت رواندا، والعراق، وأفغانستان، وسوريا. وكشفت النتائج أن الجامعات في هذه السياقات تميل إلى الانكفاء نحو وظيفتها التعليمية على حساب دورها البحثي والابتكاري، وأوصت الدراسة بضرورة تبنّي نماذج الحاضنات البحثية كأداةٍ لإعادة بناء المنظومات البحثية في هذه الدول.
٢- «الشراكة بين الجامعة والصناعة في السياق العربي: الواقع والتحديات» (المطيري، 2021):
هدفت هذه الدراسة إلى رصد واقع الشراكة بين الجامعات العربية والقطاع الإنتاجي، واعتمدت الاستبانة أداةً رئيسيةً طُبِّقت على عيّنة من أعضاء هيئة التدريس ومديري المؤسسات في ست دول عربية. وأسفرت النتائج عن ضعفٍ واضحٍ في مستوى هذه الشراكة وغياب الآليات المؤسسية التي تُيسّرها، وأوصت الدراسة بإنشاء وحدات للتحويل التكنولوجي في الجامعات العربية مرتبطةً بالقطاع الخاص.
٣- «هجرة الأدمغة وأثرها على منظومة البحث العلمي في سوريا» (World Bank, 2021):
رصد هذا التقرير أثر موجات النزوح والهجرة الناجمة عن سنوات الصراع على رأس المال البشري في القطاع الأكاديمي السوري، وكشف أن ما يزيد على ثلاثة وثلاثين بالمئة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السورية غادروا البلاد بين عامَي 2011 و2024، مما أفضى إلى فراغٍ بحثيٍّ حادٍّ في التخصصات العلمية والتقنية والطبية. وأكّد التقرير أن التعافي البحثي في سوريا يستلزم استراتيجية شاملة لاستعادة الكفاءات المهاجرة وتوفير بيئة بحثية محفّزة.
٤- «نموذج فراونهوفر: قراءة في الشراكة البحثية بين الجامعة والصناعة» (Polt et al., 2019):
تناولت هذه الدراسة تجربة معاهد فراونهوفر الألمانية بوصفها نموذجاً رائداً في تطبيق البحث التعاوني الموجّه للصناعة، وحلّلت محدّدات نجاح هذا النموذج وإمكانية نقله إلى سياقات أخرى. وكشفت النتائج أن عوامل النجاح الجوهرية تتمثّل في: الاستقلالية المؤسسية الممنوحة لمراكز البحث، وبنية التمويل المزدوج (الحكومي والصناعي)، واستهداف البحث التطبيقي ذي الأثر الصناعي الملموس. وخلصت الدراسة إلى أن هذا النموذج قابلٌ للتكيّف في الدول النامية بشرط توافر الإرادة السياسية والتمويل الكافي.
٥- «الحاضنات التكنولوجية في الجامعات الأمريكية: تقييم الأثر المجتمعي» (Grimaldi & Grandi, 2005):
هدفت هذه الدراسة إلى تقييم الأثر الاقتصادي والمجتمعي للحاضنات الجامعية في الجامعات الأمريكية، واعتمدت على تحليل بيانات من مئة وعشرين حاضنةً جامعيةً عبر ست سنوات. وكشفت النتائج أن الحاضنات المرتبطة بالجامعات ذات التوجه البحثي القوي حقّقت أثراً اقتصادياً أعلى بكثير من غيرها، كما أثبتت الدراسة أن ربط الحاضنات بالقطاع الصناعي يُضاعف معدلات نجاحها وتأثيرها المجتمعي.
الإطار الفكري للحاضنة البحثية
أ- مفهوم الحاضنة البحثية وتطوّره:
نشأ مفهوم الحاضنة أصلاً في سياق ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة، وتطوّر لاحقاً ليصف نموذجاً مؤسسياً قائماً داخل الجامعات أو متّصلاً بها، يُعنى تحديداً بتحويل نتائج البحث العلمي إلى مبادرات اقتصادية وتنموية. وتُعرَّف الحاضنة البحثية الجامعية بأنها: «أماكن ذات وحدات للدعم العلمي والتكنولوجي تقوم بداخل الجامعات ومراكز الأبحاث، وتهدف إلى الاستفادة من الأبحاث العلمية والابتكارات التكنولوجية وتحويلها إلى مشاريع ناجحة، من خلال الاعتماد على البنية الأساسية لهذه الجامعات من معامل وورش وأجهزة وبحوث، إضافةً إلى أعضاء هيئة التدريس والباحثين والعاملين كخبراء في مجالاتهم وتوجيهها لخدمة المجتمع» (ضاحي، 2009، ص311).
وعلى هذا المعنى تُمثّل الحاضنات البحثية أرضيةً مؤسسيةً تتشكّل فيها أفكار وتطبيقات تكنولوجية واقتصادية، اعتماداً على نتائج البحوث العلمية وخاصةً المرتبطة بالبحوث التطبيقية والتطويرية والاستشارات الفنية والعلمية، مما يجعل منها جسراً حيّاً بين عالَم الأفكار وعالَم التطبيق والسوق.
ب- دور الحاضنة البحثية في تحقيق التنمية للمجتمع:
يمكن القول إن الحاضنات البحثية بمختلف أنواعها تؤدّي جملةً من الوظائف التنموية الجوهرية، وتكون هذه الخدمات تبعاً لاحتياجات المشاريع المحتضنة وتقديمها بشكل متتابع وبصورة جيدة، ويمكن تحديدها في المجالات الآتية:
- الخدمات الإدارية: تُعدُّ الخدمات الإدارية جزءاً من مهام الحاضنة البحثية، إذ تقوم بتدريب العناصر الإدارية وتوفير الخدمات الحاسوبية اللازمة، وإقامة الشركات، والخدمات المحاسبية، وإعداد الفواتير، والتسويق.
- الخدمات الاستشارية: وتتمثّل في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع البحثية، وتقديم الاستشارات التسويقية وإدارة الأعمال الفنية والإدارة المحاسبية والمالية للمشروع، إضافةً إلى تقديم استشارات قانونية والمساعدة في كيفية حماية الملكية الفكرية.
- الخدمات التمويلية: وتتمثّل في المساعدة في الحصول على التمويل من خلال شركات تمويل أو البرامج الحكومية لتمويل المشاريع الصغيرة.
- الخدمات العامة: وتتمثّل في توفير المكاتب وأماكن التدريب والحاسب الآلي والمكتبة، والمشاركة في المؤتمرات والمعارض العالمية، وتوفير خدمات الصيانة، وكذلك المساعدة في الحصول على التمويل من خلال التنسيق مع الجهات المهتمة بالمشاريع البحثية.
ج- التجارب الغربية في الحاضنات البحثية الجامعية:
تتصدّر الجامعات الغربية قائمة النماذج الرائدة في هذا المجال، ويمكن استعراض أبرزها على النحو الآتي:
١- التجربة الأمريكية في الحاضنات البحثية:
يُعدّ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) من أبرز النماذج العالمية في هذا المجال؛ إذ يضمّ مكتباً للترخيص التكنولوجي يُدير أكثر من ثلاثة آلاف اتفاقية ترخيص فعّالة، وأسهم في إنشاء ما يزيد على ستمئة شركة منذ تأسيسه. ومركز بن كريغ (The Ben Craig Center) في جامعة نورث كارولاينا شارلوت يُعدّ من أوائل الحاضنات الجامعية في ولاية كارولاينا الشمالية؛ إذ يخدم الكثير من الأفراد سنوياً من خلال البرامج والحلقات الدراسية المستمرة بتنظيم المشاريع. كذلك تضمّ جامعة أيوا (University of Iowa) مجمع الأبحاث الذي يُعدّ بمثابة الحاضنة البحثية، ومن خلاله يتمّ التواصل مع مؤسسات المجتمع والمبدعين أو أصحاب الأفكار والابتكارات (University of Iowa, 2017).
٢- التجربة البريطانية في الحاضنات البحثية:
طوّرت جامعة أكسفورد من خلال ذراعها (Oxford University Innovation) آليةً متكاملةً لتسليع نتائج الأبحاث؛ إذ تُسجّل سنوياً ما يزيد على مئة براءة اختراع، وتُنشئ عشرات الشركات الفرعية المنبثقة من الأبحاث الجامعية. وتتبنّى الجامعة ذاتها مبدأ «الجامعة الريادية» القائم على التحوّل المؤسسي الذي يُدمج التعليم والبحث والابتكار في منظومةٍ واحدة مترابطة. وبالمثل، تُدير جامعة كامبريدج مشروع (Cambridge Enterprise) الذي يضمّ مئات الشركات المنبثقة من الأبحاث الجامعية ويُدرّ عوائد مالية ضخمة تُعاد استثمارها في البحث.
٣- التجربة الألمانية في الحاضنات البحثية:
تُمثّل معاهد فراونهوفر الألمانية البالغة ستةً وسبعين معهداً النموذجَ الأوروبي الأكثر قدرةً على الربط بين الجامعة والصناعة؛ إذ تُقدّم هذه المعاهد خدمات بحثية تعاقدية للصناعة مقابل رسوم، مع الحفاظ على علاقة عضوية بالجامعات الألمانية. ويُحقّق هذا النموذج سنوياً ما يزيد على ثلاثة مليارات يورو من الإيرادات البحثية ويُوظّف أكثر من ثلاثين ألف باحث (Polt et al., 2019, p. 47). وتُعدّ هذه المعاهد ركيزةً أساسيةً في اقتصاد المعرفة الألماني، مما جعل ألمانيا في مقدّمة الدول الأكثر قدرةً على الابتكار التكنولوجي وإضافة القيمة الصناعية.
٤- التجربة الفرنسية في الحاضنات البحثية:
تُعدّ الحاضنات في فرنسا من أقدم الحاضنات في الاتحاد الأوروبي، وتوجد في فرنسا ما لا يقلّ عن مئتَي حاضنة تعمل في مختلف المدن، وفي عام 2001م تمّ إقامة مؤسسة مركزية تنظّم نشاط جميع الحاضنات وتُسمّى بالجمعية الفرنسية للحاضنات، وتنتمي إليها الحاضنات البحثية المقامة داخل كليات الهندسة والمعاهد العلمية المختلفة والحاضنات المقامة داخل مراكز الأبحاث. ومن الحاضنات التكنولوجية المتميّزة حاضنة جامعة ليون (University of Lyon) التي أنشأت مركزاً تكنولوجياً متميّزاً يُعدّ منبعاً للابتكار العلمي من خلال التلاحم بين التعليم والبحث والصناعة (Etzkowitz, 2002, p. 120).
واقع البحث العلمي في الجامعات السورية الحكومية والخاصة
أ- نظرة تاريخية على التعليم العالي في سوريا:
أُسِّست جامعة دمشق عام 1923م لتكون أقدم الجامعات السورية وأعرقها، ثم توسّعت منظومة التعليم العالي الحكومي لتضمّ جامعة حلب (1958م)، وجامعة تشرين في اللاذقية (1971م)، وجامعة البعث في حمص (1979م)، وجامعة دير الزور، وجامعة درعا، وغيرها من الجامعات الإقليمية التي أُسِّست لاحقاً بهدف تأمين التعليم العالي لكافة المحافظات السورية. وقد ظلّ البحث العلمي في هذه الجامعات تاريخياً رهينَ النمط التقليدي المتمحور حول التعليم؛ إذ لم تُولِ السياسات المتعاقبة البحثَ العلمي الموجّه نحو القطاعات الإنتاجية الأهميةَ التي يستحقّها، فظلّت المنشورات البحثية في معظمها موجّهةً نحو استيفاء متطلبات الترقية الوظيفية لا نحو قضايا المجتمع ومشكلاته.
أما على صعيد الجامعات الخاصة، فقد أتاح القانون رقم (36) الصادر عام 2001م إنشاءَ مؤسسات تعليم عالٍ خاصة، فتأسّست منذ ذلك الحين أكثر من سبع عشرة جامعة خاصة شملت: الجامعة السورية الدولية، والجامعة العربية الدولية، وجامعة القلمون، وجامعة إياد، وجامعة الوادي، وغيرها. غير أن معظم هذه الجامعات أعطت الأولوية للتعليم التجاري على حساب البحث، وبقيت الأنشطة البحثية فيها هامشيةً وغير ممنهجة.
ب- التداعيات البحثية لسنوات الصراع (2011-2024):
خلّف الصراع الذي امتدّ لأكثر من عقدٍ تداعياتٍ كارثيةً على منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في سوريا؛ يمكن إجمالها في الأوجه الآتية:
- هجرة رأس المال البشري: تُقدّر الأرقام الصادرة عن البنك الدولي (2021) نسبة الأكاديميين الذين غادروا سوريا خلال سنوات الصراع بما يتجاوز ثلاثةً وثلاثين بالمئة من إجمالي أعضاء هيئة التدريس، مع تركّز الخسارة في التخصصات العلمية والتقنية والطبية ذات القيمة البحثية العليا.
- تدمير البنية التحتية البحثية: تضرّرت مختبرات ومرافق جامعات حلب وتشرين والبعث بصورة بالغة، مما أفقد الباحثين أدواتهم الجوهرية لإجراء الأبحاث التجريبية والتطبيقية.
- الانقطاع عن المجتمع العلمي الدولي: أسهمت العقوبات الاقتصادية الدولية في تقييد الوصول إلى قواعد البيانات الأكاديمية العالمية وشبكات التعاون البحثي، مما أحكم عزلة الباحثين السوريين عن مسيرة الإنتاج المعرفي الكوني.
- شُحّ التمويل البحثي: تراجعت ميزانيات الجامعات الحكومية تراجعاً حاداً، وتوقّف دعم كثير من البرامج البحثية، في غياب شبه تامّ للتمويل القادم من القطاع الخاص أو المنظمات الدولية.
ج- الوضع الراهن: الجامعات الحكومية والخاصة في مرحلة ما بعد 2024:
مع انطلاق المرحلة الانتقالية الجديدة في سوريا أواخر عام 2024، باتت الجامعات السورية أمام فرصةٍ تاريخيةٍ لإعادة بناء منظومتها البحثية؛ غير أن المشهد الراهن لا يزال يكشف عن إشكاليات بنيوية عميقة تتمثّل في:
- غياب استراتيجية وطنية للبحث العلمي تُحدّد الأولويات وآليات التمويل والتقييم.
- انعدام الحاضنات البحثية في الجامعات الحكومية والخاصة على حدٍّ سواء.
- ضعف مؤشرات البحث العلمي في التصنيفات الدولية؛ إذ تغيب الجامعات السورية بصورة شبه تامّة عن قوائم تصنيف شنغهاي (ARWU) وتصنيف QS وتصنيف التايمز للتعليم العالي.
- استمرار النمط التقليدي في الجامعات الحكومية القائم على الحفظ والتلقين لا على البحث والابتكار.
- اقتصار الجامعات الخاصة في معظمها على التعليم التجاري دون استثمار حقيقي في البحث والتطوير.
- ضعف ثقافة نقل التكنولوجيا والشراكة مع القطاع الإنتاجي في كلتا الفئتين من الجامعات.
الدراسة المقارنة بين الجامعات السورية والجامعات الغربية
تكشف المقارنة المنهجية بين الجامعات السورية ونظيراتها الغربية عن فجواتٍ هائلةٍ في مؤشرات البحث العلمي الجوهرية؛ ويوضّح الجدول الآتي أبرز هذه الفجوات وفق مؤشرات موضوعية قابلة للقياس والمقارنة:
|
الجامعات الغربية الرائدة |
الجامعات السورية الخاصة |
الجامعات السورية الحكومية |
المؤشر |
|
١-٣ ورقة بحثية دولية / عضو / سنة |
أقل من ٠٫٠٥ |
أقل من ٠٫١ |
متوسط المنشورات الدولية لكل عضو هيئة تدريس سنوياً |
|
١٥٪ إلى ٤٠٪ |
أقل من ٠٫٥٪ |
أقل من ١٪ |
نسبة البحث والتطوير إلى الميزانية الكلية |
|
مئات إلى آلاف سنوياً |
شبه معدومة |
شبه معدومة |
براءات الاختراع المسجّلة سنوياً |
|
وجود متعدد ومتطوّر |
معدومة كلياً |
معدومة كلياً |
الحاضنات البحثية والتكنولوجية |
|
شراكات استراتيجية مُمَأسَسة |
ضعيفة جداً وغير مُمَأسَسة |
محدودة جداً وغير مُمَأسَسة |
الشراكة مع القطاع الإنتاجي والخاص |
|
ضمن المئة الأولى عالمياً |
غير مصنّفة |
أقل من ٨٠١ أو غير مصنّفة |
الموقع في تصنيف QS العالمي 2024 |
|
استراتيجيات وطنية شاملة وموثّقة |
غائبة |
غائبة أو محدودة جداً |
الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي |
|
منتشر وراسخ ثقافياً |
غائب في معظمه |
غائب في معظمه |
ثقافة نقل التكنولوجيا وريادة الأعمال |
جدول (١): مقارنة بين مؤشرات البحث العلمي في الجامعات السورية والجامعات الغربية الرائدة
يكشف الجدول المقارن عن فجواتٍ جوهريةٍ تتجاوز مجرد الفوارق الكمية لتبلغ حدّ التباين النوعي في الفلسفة الجامعية وتصوّر الدور البحثي للجامعة؛ فبينما تؤسّس الجامعات الغربية لمنظومة بحثية ريادية قائمة على الابتكار والمشاركة المجتمعية والشراكة الصناعية، تبقى الجامعات السورية —حكوميةً كانت أم خاصة— أسيرةَ نموذجٍ تقليدي لم يعد يُجدي نفعاً في ظل اقتصاد المعرفة الذي يُهيمن على عالم القرن الحادي والعشرين.
وتتجلّى أبرز مظاهر هذا التباين النوعي في المحاور الآتية:
أولاً — الفلسفة والرؤية: تنطلق الجامعات الغربية الرائدة من رؤية «الجامعة الريادية» التي تُدمج الأبعاد الثلاثة (التعليم والبحث والابتكار) في منظومة واحدة متكاملة. في حين تكتفي الجامعات السورية في معظمها بالدور التعليمي، وتُضيف البحث بوصفه التزاماً شكلياً لا رسالةً جوهرية.
ثانياً — الثقافة البحثية: تُعدّ ثقافة الابتكار وريادة الأعمال والتفكير النقدي من السمات الراسخة في الأوساط الأكاديمية الغربية، في حين تسود في الجامعات السورية ثقافة الحفظ والاستهلاك المعرفي لا الإنتاج والابتكار.
ثالثاً — منظومة التمويل: تعتمد الجامعات الغربية على نماذج تمويل متنوعة تجمع بين المخصصات الحكومية وعقود البحث الصناعية وإيرادات براءات الاختراع والهبات الخاصة. في حين تعتمد الجامعات السورية اعتماداً شبه كلي على التمويل الحكومي المتراجع، مع شبه غياب تامّ للتمويل المقابل من القطاع الخاص.
رابعاً — آليات نقل المعرفة: طوّرت الجامعات الغربية مكاتب متخصصة لنقل التكنولوجيا وتسييل براءات الاختراع وإنشاء الشركات المنبثقة (Spin-offs)، في مقابل غياب هذه الآليات كلياً في السياق الجامعي السوري.
الحاضنة البحثية كمقترح لتوجيه البحث العلمي بالجامعات السورية لخدمة المجتمع
يُقدّم هذا القسم مقترحاً تفصيلياً لإنشاء الحاضنة البحثية في الجامعات السورية الحكومية والخاصة، انطلاقاً من معطيات الواقع الراهن ومقتضيات المرحلة الانتقالية وما تُوفّره التجارب الغربية من دروس، ويتضمّن المقترح المكوّنات الآتية:
أولاً: منطلقات المقترح
يرتكز المقترح على منطلقاتٍ عالمية ومحلية؛ فمن الناحية العالمية: مجتمعية المعرفة الإنسانية كمنطلق عالمي يُحقّق الربط بين البحث العلمي ومتطلبات المجتمعات، ودور البحث العلمي الموجّه في نهضة المجتمعات ومؤسساتها، واقتصاديات المعرفة حيث أصبحت الإنتاجية العلمية والابتكارات والاكتشافات ذات العائد المباشر وغير المباشر على المجتمع أهمّ مورد في نهضة كثير من المجتمعات. أما من الناحية المحلية: فإن التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع السوري، وتطوير التشريعات والقوانين واللوائح المنظِّمة للجامعات السورية، والاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي كأسس لتطوير آليات البحث العلمي بما يخدم المجتمع السوري ومؤسساته، وحاجة الجامعات السورية إلى موارد مالية يمكن أن تُحقّقها من خلال تبنّي تسويق الخدمات البحثية واستثمار الأبحاث والابتكارات في صالح المجتمع ومؤسساته.
ثانياً: أهداف المقترح
يهدف المقترح إلى:
١. الإسهام في تقديم الحاضنة البحثية بالجامعات السورية بغرض توجيه البحث العلمي لخدمة المجتمع.
٢. اقتراح بدائل تمويلية للجامعات السورية من خلال احتضان أصحاب الأفكار ورجال الأعمال.
٣. اقتراح إنشاء وحدات إدارية بالجامعات السورية وظيفتها احتضان الأفكار وتحويلها إلى مشاريع ريادية.
٤. تعزيز الشراكة بين الجامعة والقطاعين العام والخاص وتوفير فرص عمل حقيقية لخريجي الجامعات السورية.
ثالثاً: الخطوات الإجرائية لبناء المقترح
المرحلة الأولى: مرحلة التهيئة والإعداد
تقوم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالإشراف على تبنّي التصوّر المقترح والشروع في تطبيقه في إحدى الجامعات الكبرى كتطبيق تجريبي. وتتضمّن هذه المرحلة إجراء مراجعة شاملة وكاملة لمجموعة العناصر والإجراءات الأساسية الواجب توافرها، والتأكّد من اقتناع قيادات الجامعات بجدوى الحاضنة البحثية وأهميتها. وتشمل هذه العناصر والإجراءات النقاط الآتية:
١. أُسس الحاضنة البحثية، ويمكن تحديدها بما يأتي:
- رؤيتها: تتمثّل في تبنّي الأفكار والأبحاث الابتكارية وتحويلها إلى مشاريع استثمارية، وتوفير الخدمات والاستشارات المتخصصة في مجال الأبحاث العلمية الحديثة والمتقدمة، وإنتاج أبحاث تخدم نتائجها المجتمع السوري ومؤسساته في مرحلة إعادة الإعمار.
- رسالتها: إيجاد محضن مناسب لتقديم أبحاث علمية ذات طابع تنموي اقتصادي اجتماعي، وذلك عن طريق خلق بيئة مناسبة للإبداع والابتكار والتجديد والتميّز واستقطاب رأس المال الفكري وجعله رافداً أساسياً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
- أهدافها: تتمثّل في احتضان الأفكار المبدعة والمتميّزة للجامعة والمجتمع، والشراكة بين الجامعة وأصحاب الأعمال، وجعل الجامعة مصدراً للإبداع والابتكار في الفكر والتكنولوجيا، والتطبيق الواعي للمعرفة العلمية والتكنولوجية، وتسويق المخرجات العلمية والتقنية المبتكرة محلياً ودولياً.
٢. موقعها: يُستحسن أن تكون في وسط الجامعة لكي تستفيد من ممتلكاتها، ويُفضَّل أن تكون قريبةً من إحدى البوابات الرئيسية لتسهيل الوصول إليها، وأن تتوافر مساحة كافية لإقامة مرافق لها من مساحات مكتبية للعمل ومساحة مختبرية ومساحات وأجنحة لاستيعاب المستأجرين ومساحة لإدارة الحاضنة، وقاعات للاجتماعات، والمؤتمرات، والورش.
٣. المستفيدون من الحاضنة البحثية: يتمّ احتضان كافة الطلبة المبدعين وأصحاب الابتكارات في الجامعات السورية، وكذلك احتضان أصحاب الأفكار الإبداعية من المجتمع أو أصحاب مشاريع ريادية وهم بحاجة إلى دعم فني وإداري، وكذلك الشركات الناشئة التي تحتاج إلى تقديم معونات علمية، أو فنية، أو إدارية، أو قانونية، وكذلك جميع القطاعات والمؤسسات العامة والخاصة في المجتمع، وكذلك أعضاء هيئة التدريس والباحثون.
٤. فترة الاحتضان: تُقدَّر فترة الاحتضان من السنتين إلى أربع سنوات حسب معدل نموّ المشروع، ويُجدَّد العقد بعد تخرّجه من الحاضنة لكل سنة من أجل إمداده بالخدمات المختلفة.
٥. إعداد الوثائق القانونية واللوائح: وتتضمّن أهم الوثائق المطلوب توافرها في الحاضنة: النظام الأساسي، واللائحة الداخلية للحاضنة، والعقود مع الشركات والمؤسسات المحتضنة، والاتفاقيات والتعاقدات الداخلية والخارجية، والخطة الاستراتيجية.
المرحلة الثانية: التطبيق التجريبي للحاضنة
يتمّ خلال هذه المرحلة تطبيق المقترح في إحدى الجامعات الحكومية الكبرى —يُقترح جامعة دمشق أو جامعة حلب— وفق برنامج زمني محدد ومعلوم. ويُقصد بذلك رعاية ومتابعة المشاريع الملتحقة بالحاضنة من خلال خطوات مختلفة من عمر هذه المشاريع، وتلك الخطوات تتمّ في حالة تطبيق الحاضنة البحثية وتمارس عملها في الجامعات السورية، وتتمثّل تلك الخطوات في:
الخطوة الأولى — دراسة المشروع والتخطيط: يتمّ خلالها عمل المقابلة الشخصية بين إدارة الحاضنة والمتقدمين بمشاريعهم للتأكّد من جدّية صاحب الفكرة ومدى مناسبتها وجودتها والاستفادة منها، وقدرة الحاضنة على إدارة المشروع وإخراجه للواقع.
الخطوة الثانية — إعداد الخطة للمشروع: تعتمد هذه الخطوة على نتائج الخطوة السابقة وما تمّ التوصّل إليه من دراسة جدوى المشروع اقتصادياً وفنياً وتسويقياً، وعلى ضوء ذلك يتمّ إعداد خطة المشروع.
الخطوة الثالثة — قبول الانضمام للحاضنة وبدء التنفيذ: يتمّ في هذه الخطوة إبرام العقد مع المشروع، وتحديد مكان مناسب طبقاً لخطته التي تمّ إعدادها في الخطوة السابقة.
الخطوة الرابعة — تطوير المشروع: يتمّ خلالها متابعة أداء المؤسسات التي تعمل ضمن الحاضنة ومعاونتها على رفع مستوى معدلات النموّ للمشروع من خلال المساعدات والاستشارات من الأجهزة الفنية المتخصصة بإدارة الحاضنة.
الخطوة الخامسة — الخروج من الحاضنة: تُعدّ الخطوة النهائية بالنسبة للمشاريع داخل الحاضنة، وتتمّ عادةً بعد فترة تتراوح بين سنتين إلى أربع سنوات من قبول المشروع بالحاضنة، وذلك طبقاً لمعايير محددة لدى الحاضنة في الخروج.
المرحلة الثالثة: التقويم والمتابعة
تتمّ عملية التقويم والمتابعة على ضوء رؤية ورسالة وأهداف الحاضنة البحثية لتحديد الفجوة بين ما تقدّمه الحاضنة من خدمات وبين متطلبات المجتمع السوري، وكذلك ما تحتاج إليه مستقبلاً لتطوير خدماتها بما يتوافق مع المجتمع ومتطلبات إعادة الإعمار.
المرحلة الرابعة: التطبيق الفعلي والكامل للحاضنة
على ضوء ما أسفرت عنه المرحلة السابقة من عملية تقويم ومتابعة، يتمّ اتخاذ القرار اللازم لتطبيق الحاضنة البحثية بشكل شامل وتعميم التجربة على بقية الجامعات تدريجياً بعد ضمان نجاحها، والاستفادة من أخطاء التطبيق التجريبي، وتوفير المتطلبات اللازمة للتطبيق.
رابعاً: الهيكل التنظيمي والإداري للحاضنة البحثية المقترحة
يعتمد المقترح للحاضنة على تحقيق الدور الإيجابي التفاعلي لكافة القطاعات والمؤسسات العامة والخاصة من خلال البنية الإدارية المقترحة المتمثّلة في الهيكل التنظيمي المقترح للحاضنة البحثية الجامعية، والإدارة التنظيمية لها، وذلك كما يأتي:
الهيكل التنظيمي: يتكوّن الهيكل التنظيمي للحاضنة من مجلس (تحت مسمّى مجلس أمناء الحاضنة)، ويضمّ في عضويته خمسة من أعضاء هيئة التدريس ذوي الخبرة والفاعلية في مجال البحث العلمي، ومديري المراكز البحثية في الجامعة، وقسم نظم المعلومات، وقسم البرامج والمشاريع، وقسم التسويق والعلاقات العامة، وقسم البحث العلمي والابتكارات، وقسم الخريجين وخدمة المجتمع.
خامساً: التمويل المقترح للحاضنة البحثية
تقترح الدراسة مصادر متعددة لتمويل الحاضنة البحثية بالجامعات السورية بحيث تستطيع القيام بدورها، وتشمل: التمويل الحكومي بهدف تحقيق التمويل الذاتي خلال أربع سنوات، والقطاع الخاص مقابل الخدمات التي تقدّمها الحاضنة، والمنظمات الخارجية الأجنبية والدولية العاملة في سوريا، والوزارات مقابل الخدمات البحثية، وصندوق التبرعات، ومنظمات المجتمع المدني، وشركاء التعمير الدوليين الراغبين في الاستثمار في التعليم العالي السوري.
سادساً: متطلبات تطبيق المقترح
إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالجامعات السورية وإعادة النظر في سياساتها، ووضع لوائح وآليات واضحة في تمويل البحث العلمي والابتكارات، وإيجاد رؤية ورسالة لكل جامعة بما يتواكب مع محيطها الخارجي ومتطلباته، ووضع خطط استراتيجية لتسويق الخدمات البحثية، واختيار قيادات إدارية للجامعات وفق مبدأ التنافس والنزاهة والكفاءة والقدرات والمهارات، وتنظيم برامج تدريبية وتأهيلية للباحثين والإداريين بما يخدم البحث العلمي، وتصميم قواعد بيانات تضمّ كافة المعلومات عن المؤسسات والشركات والقطاعات المختلفة في سوريا.
نتائج الدراسة الميدانية ومناقشتها
أولاً: نتائج الدراسة
توصّلت الدراسة إلى جملة من النتائج الجوهرية يمكن إيجازها فيما يأتي:
١. بيّنت الدراسة أن الحاضنة البحثية في الجامعات السورية الحكومية والخاصة تتوافر بدرجة معدومة تقريباً؛ إذ لا توجد مؤشرات على قيام قيادات هذه الجامعات بأدنى نسبة في احتضان الأفكار والإبداعات الموجودة لدى الأفراد في المجتمع أو في الجامعات نفسها.
٢. أسفرت الدراسة المقارنة عن أن الجامعات السورية ليس لديها خطة استراتيجية تعمل من خلالها باحتضان المشاريع البحثية وربطها بالقطاعات الإنتاجية المختلفة، أو تقديم الخبرة العلمية ودراسات الجدوى للمشاريع الجامعية أو لأصحاب الأعمال.
٣. بيّنت الدراسة أن تحويل الأفكار الإبداعية إلى مشاريع مجتمعية في الجامعات السورية يتوافر بدرجة شبه منعدمة في الجامعات السورية سواء أكانت حكومية أم خاصة، وهذا يعني أن الجامعات لا تُسهم في تهيئة الأجواء لتطبيق هذه الأفكار، ولا توافر روابط بين القطاع العام والخاص وبين أصحاب هذه الأفكار.
٤. توصّلت الدراسة إلى أن الخدمات الإدارية والفنية في مجال الحاضنة البحثية في الجامعات السورية تتوافر بدرجة شبه معدومة في الجامعات السورية، ويُفسَّر هذا الواقع بأن الجامعات السورية لا يتوافر لديها بيانات باحتياجات المشاريع المادية والتكنولوجية للمجتمع.
٥. كشفت الدراسة المقارنة عن فجوة عميقة وشاملة بين منظومة البحث العلمي في الجامعات السورية والجامعات الغربية الرائدة، تتجلّى في ضعف المنشورات الدولية وغياب براءات الاختراع وانعدام الشراكة المؤسسية مع القطاع الإنتاجي.
ثانياً: توصيات الدراسة
بناءً على نتائج الدراسة، تُوصي بما يأتي:
١. ضرورة عمل وتفعيل مقترحات لتوجيه البحث العلمي بالجامعات السورية لخدمة المجتمع وفق نموذج الحاضنة البحثية المقترح.
٢. إعداد استراتيجية وطنية شاملة للبحث العلمي في سوريا تحدّد الأولويات وآليات التمويل ومعايير التقييم، مرتبطةً بخطط التنمية وإعادة الإعمار.
٣. إنشاء حاضنات بحثية في الجامعات الحكومية الكبرى كجامعة دمشق وجامعة حلب وجامعة تشرين وجامعة البعث بصورة تجريبية أولاً، مع توفير التمويل الحكومي اللازم لانطلاقتها.
٤. تشجيع الجامعات الخاصة على إنشاء وحدات للبحث والابتكار ومكافأة من يُحقّق مؤشرات بحثية متقدمة من خلال سياسات ضريبية محفّزة.
٥. بناء شراكات استراتيجية مع الجامعات الغربية والمنظمات الدولية للاستفادة من خبراتها في مجال الحاضنات البحثية، ولاستعادة الكفاءات السورية المهاجرة إلى الخارج.
٦. تنظيم برامج تدريبية وتأهيلية للباحثين والإداريين بما يخدم البحث العلمي الموجّه لخدمة المجتمع، ونشر ثقافة الابتكار وريادة الأعمال في الأوساط الأكاديمية السورية.
٧. تصميم قواعد بيانات تضمّ كافة المعلومات عن المؤسسات والشركات والقطاعات المختلفة في سوريا لتيسير الربط بين البحث العلمي والقطاع الإنتاجي.
المراجع
أولاً: المراجع العربية
ضاحي، حاتم فرغلي. (2009). مستقبل التعليم الجامعي في القرن الحادي والعشرين. القاهرة: الدار العالمية للنشر والتوزيع.
الحازي، عبد الوهاب جودة عبد الوهاب. (2010). الشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي وتحدياتها بسلطنة عمان: دراسة ميدانية. مجلة المنشاوي للدراسات والبحوث.
الخليفة، عبد العزيز بن علي. (2014). صيغة مقترحة لتفعيل الشراكة المجتمعية للجامعات السعودية في ضوء فلسفة الجامعة المنتجة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أنموذجاً. مجلة رسالة التربية وعلم النفس، ع(46)، الرياض.
المطيري، عبد الله. (2021). الشراكة بين الجامعة والصناعة في السياق العربي: الواقع والتحديات. مجلة التعليم العالي في الوطن العربي، (15)، 44-78.
بخاري، عصام بن أمان الله. (2014). تطوير منظومة حاضنات الأعمال في الجامعات اليابانية: الواقع والتحديات. المجلة السعودية للتعليم العالي، ع (11)، 1435هـ.
عبيدات، ذوقان؛ وأبو نصار، عبد الحق؛ وعقلة، كايد. (2019). منهجية البحث العلمي: المفهوم والأدوات والأساليب (ط. مُنقَّحة). عمّان: دار الفكر.
جابر، جابر عبد الحميد؛ وكاظم، أحمد خيري. (1996). مناهج البحث في التربية وعلم النفس. القاهرة: دار النهضة العربية.
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي — الجمهورية العربية السورية. (2019). إحصاءات التعليم العالي في سوريا. دمشق.
المجلس الأعلى لتخطيط التعليم. (2022). مؤشرات التعليم في الجمهورية العربية السورية: مراحله وأنواعه 2020/2022. دمشق.
ثانياً: المراجع الأجنبية
Clark, B. R. (1998). Creating Entrepreneurial Universities: Organizational Pathways of Transformation. Oxford: Pergamon Press.
Etzkowitz, H. (2002). Incubation of incubators: Innovation as a triple helix of university-industry-government networks. Science and Public Policy, 29(2), 115-128.
Grimaldi, R., & Grandi, A. (2005). Business incubators and new venture creation: An assessment of incubating models. Technovation, 25(2), 111-121.
Lawson, C., & Silva, T. (2016). More than just technology licensing: Technology transfer offices as multi-product organizations. The Journal of Technology Transfer, 41(4), 929-952.
Polt, W., Berger, M., Gassler, H., Schibany, A., & Schilcher, C. (2019). The Fraunhofer model of applied research and its transferability to other countries. Science and Public Policy, 46(5), 746-757.
Rothaermel, F. T., & Thursby, M. (2005). University-incubator firm knowledge flows: Assessing their impact on incubator firm performance. Research Policy, 34(3), 305-320.
The World Bank. (2021). The Lasting Legacy of the Syria Crisis: A Human Capital Perspective. Washington, D.C.: The World Bank Group.
UNESCO. (2020). Education in the Context of Conflict and Fragility: The Syria Case. Paris: UNESCO.
European Commission. (2022). European Innovation Scoreboard 2022. Brussels: European Commission Directorate-General for Research and Innovation.
QS World University Rankings. (2024). QS World University Rankings 2024. Quacquarelli Symonds Limited. Retrieved from https://www.topuniversities.com/university-rankings
UNHCR & UNICEF. (2022). Syrian Education System: Challenges and Opportunities. Geneva: UNHCR.
Bajmocy, Z. (2006). Opportunities of University Business Incubation in the Less Favoured Regions of Transition Countries. University of Szeged Press.
Ramkissoon-Babwah, N., & Mc David, J. (2014). Selecting the Right Clients for a Business Incubator: Lessons Learnt from the National Integrated Business Incubator System (IBIS) Programme in Trinidad and Tobago. Journal of Small Business and Entrepreneurship Development, Issue 2.
University of Iowa. (2017). Iowa Research Campus. Retrieved from https://www.hotcourses.ae/study/us-usa/university-of-iowa
مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة
-------------------------------------------------------------------------------------
الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026