المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
شهاداتٌ مع وقف التنفيذ: مصير الطلاب السوريين الخريجين في دول اللجوء والمهجر

شهاداتٌ مع وقف التنفيذ: مصير الطلاب السوريين الخريجين في دول اللجوء والمهجر

شهاداتٌ مع وقف التنفيذ: مصير الطلاب السوريين الخريجين في دول اللجوء والمهجر

 

بقلم المهندس محمد الصالح

في ربيع عام 2011، لم تكن الهتافات التي صدحت في شوارع المدن السورية تنادي بالحرية فحسب، بل كانت تحمل معها أحلام جيل كامل بمستقبل أفضل. لكن مع تحول الثورة إلى صراع دامٍ، وجد مئات الآلاف من الشباب السوريين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما البقاء تحت وطأة الحرب، والاعتقال، والتجنيد الإجباري، أو حزم حقائبهم والمضي في رحلة لجوء شاقة. حمل الكثيرون منهم أحلامهم الأكاديمية في حقائب النزوح، وتوزعوا في دول الجوار مثل تركيا ولبنان والأردن، وصولاً إلى دول اللجوء الأوروبية.

درس هؤلاء، كافحوا، وتعلموا لغات جديدة من الصفر، وعملوا في نوبات مسائية مرهقة لتمويل محاضراتهم الصباحية. ولكن، ماذا بعد أن ارتدوا قبعات التخرج؟ هل انتهت المعاناة بمجرد استلام وثيقة التخرج الممهورة بالختم الرسمي، أم أن معركة أشرس كانت للتو قد بدأت؟

 

الاصطدام بجدار الواقع: قوانين العمل وسراب الاندماج

بمجرد أن تنتهي نشوة التخرج، يستيقظ الخريج السوري في دول مثل تركيا أو لبنان على واقع قانوني ومهني معقد. خلال فترة الدراسة، كان "الفيزا" أو "الإقامة الطلابية" بمثابة درع يحميه من الترحيل ويمنحه صفة قانونية واضحة. بمجرد التخرج، يسقط هذا الدرع. في تركيا، التي استقبلت عشرات الآلاف من الطلاب السوريين، شكلت الإجراءات القانونية حاجزاً منيعاً. الطالب الذي يتخرج يجد نفسه مطالباً بإيجاد فرصة عمل رسمية لتغيير إقامته، وهو أمر بالغ التعقيد. وفقاً لتقارير إعلامية متطابقة، يصطدم الخريج السوري هناك بقوانين تمنع الأجانب من ممارسة مهن معينة كالصيدلة، والطب، والتمريض، والمحاماة، ما لم يحصلوا على الجنسية الاستثنائية. وحتى في التخصصات المسموحة، يشترط قانون العمل توظيف خمسة أتراك مقابل كل أجنبي، مما يجعل أصحاب العمل يتهربون من استخراج "إذن العمل" للخريج السوري وتكبد ضرائبه. النتيجة المباشرة لذلك كانت ما يُعرف بـ "البطالة المقنعة"؛ حيث اضطر الكثير من حملة الشهادات الجامعية، كمهندسي المعلوماتية وإدارة الأعمال، للعمل في مصانع النسيج، أو المطاعم، أو ورش الخياطة برواتب غالباً ما تكون دون الحد الأدنى للأجور، فقط لتأمين لقمة العيش.

أما في لبنان والأردن، فالصورة أكثر قتامة. الخريجون الجامعيون هناك وجدوا أنفسهم محاصرين بقوانين تمنعهم من العمل في تخصصاتهم تماماً لحماية اليد العاملة المحلية، مما اضطر الآلاف منهم للعمل في قطاعات البناء والزراعة والخدمات البسيطة. هذا "المآل الوظيفي" العبثي أصاب شريحة واسعة من الطلاب بالإحباط، ودفع بعضهم للتساؤل بحرقة:

 ما جدوى سهر الليالي إذا كانت النهاية العمل في ورشة بناء؟!!!

 

الهجرة الثانية: البحث عن وطن يعترف بالكفاءة

أمام هذا الانسداد القانوني والاقتصادي، لم يكن أمام الخريج السوري الذي صُقلت مهاراته في جامعات الشرق الأوسط سوى التفكير في "هجرة ثانية". بدلاً من أن تكون الشهادة الجامعية جواز عبور لسوق العمل، تحولت إلى دافع قوي للبحث عن فرصة في أوروبا، حيث تُحترم الكفاءات. هكذا، ركب مهندسون وأطباء وخريجو علوم سياسية قوارب الموت مجددًا، أو سلكوا دروب التهريب البرية الخطيرة للوصول إلى ألمانيا، السويد، أو هولندا.

في أوروبا، تأخذ التحديات طابعًا مختلفًا. البنية التحتية جيدة والفرص موجودة، لكنها ليست مفروشة بالورود. يواجه الخريج السوري بيروقراطية "معادلة الشهادات"، التي قد تستغرق سنوات من ترجمة الأوراق والانتظار، مصحوبة بشروط قاسية لتعلم اللغة المحلية بمستويات أكاديمية (C1). ورغم نجاح شريحة واسعة في اختراق سوق العمل الأوروبي وإثبات كفاءتها المذهلة في المستشفيات والشركات التقنية، إلا أن صعود أحزاب اليمين المتطرف، والخطابات المعادية للاجئين، وضع هؤلاء الناجحين في حالة من القلق الوجودي والشعور الدائم بـ "الغربة".

 

قصص نجاح وُلدت من رحم المعاناة

سيكون من الإجحاف الشديد اختزال مشهد الخريجين السوريين في إطار المأساة والتعثر فقط. فهؤلاء الشباب الذين درسوا تحت ضغط نفسي هائل — قلقون على عائلاتهم تحت القصف، ومكافحون لتأمين إيجارات السكن — أظهروا مرونة استثنائية (Resilience) قلّ نظيرها.

من خلال برامج المنح الدولية مثل (DAAD) الألمانية، و(Chevening) البريطانية، و(Türkiye Bursları) التركية، حصد الطلاب السوريون المراتب الأولى في تخصصات علمية بالغة التعقيد. أسس بعضهم شركات ناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة، وانخرط آخرون في السلك الأكاديمي كباحثين ومحاضرين في جامعات عالمية. لم يكتفوا بالنجاح الفردي، بل شكلوا هيئات وروابط وشبكات مهنية لدعم الخريجين الجدد وتوجيههم، محاولين بناء مجتمع متكاتف يسد الفجوة الهائلة التي تركها الشتات.

 

رياح التغيير.. وسؤال العودة المعقد

مع التغيرات الجذرية التي شهدتها الساحة السورية مؤخراً (بعد عام 2024)، وسقوط النظام الذي كان المسبب الأول لتهجيرهم، برز تساؤل جديد يطرق أبواب الخريجين: هل حان وقت العودة لبناء سوريا؟

الإجابة على هذا السؤال ليست رومانسية أو بسيطة كما تبدو في القصائد. نعم، هناك شعور عارم بالارتياح والرغبة العميقة في استعادة الوطن. وقد بدأت المؤسسات التعليمية في سوريا باتخاذ خطوات مشجعة؛ مثل إصدار قرارات بالاعتراف الرسمي بالجامعات التركية المرموقة وتسهيل عودة الطلاب المنقطعين واستكمال دراستهم وتصديق شهاداتهم. هذا الاعتراف يعني أن المهندس الذي تخرج في إسطنبول بات بإمكانه قانونياً ممارسة مهنته في دمشق أو حلب.

لكن، يصطدم هذا الحنين بالواقع الاقتصادي والمعيشي الكارثي. فسوريا اليوم تحتاج إلى مئات المليارات لإعادة الإعمار، والبنية التحتية منهارة، ومتوسط الدخل لا يكفي لتأمين أبسط مقومات الحياة. الشاب السوري الذي بنى استقرارًا مهنيًا وعائلة في ألمانيا، أو استقر بصعوبة في تركيا بعد عقد من التعب، يجد نفسه ممزقًا بين الواجب الوطني تجاه بلده الأم، وبين مسؤوليته تجاه مستقبل أطفاله. لذلك، يرى العديد من الخبراء أن إسهام هؤلاء الخريجين قد لا يتطلب "عودة جسدية" فورية للجميع، بل يمكن تفعيل دور العقول المهاجرة (الدياسبورا) لنقل التكنولوجيا، وجلب الاستثمارات، وبناء جسور أكاديمية مع الداخل السوري لدعم عملية التعافي.

 

خلاصة: جيل كُتب عليه بناء الأوطان

في النهاية، لا يمكن ولا ينبغي النظر إلى الطلاب السوريين الذين تخرجوا خارج بلادهم كضحايا فقط. إنهم جيل استثنائي بامتياز، حُرم من رفاهية التركيز على الدراسة الجامعية كباقي أقرانهم في العالم، واضطر لخوض معارك البقاء والهوية والنجاح في آنٍ واحد.

سواء اختاروا العودة الشجاعة لترميم ما دمرته سنوات الحرب، أو البقاء في دول المهجر ليكونوا سفراء لثقافة سورية حرة ومبدعة، فإن هؤلاء الخريجين يمثلون الثروة الحقيقية لسوريا. لقد أثبتوا للعالم أن الثورة لم تكن فقط هتافاً في الساحات، بل كانت أيضاً مقاعد دراسية شُغلت، ولغات عُرفت، وشهادات انتُزعت من فم المستحيل.

 

أبرز المصادر المرجعية:

 * تلفزيون سوريا: مقال "خريجون ولكن.. مصير الطلاب السوريين في تركيا ما بين البطالة والتفكير بالهجرة".

 * موقع StudyFans: تقرير "سوريا تواصل اعترافها بالجامعات التركية 2025".

 * صحيفة قاسيون: تقرير "العودة الطوعية أم القسرية؟ تحديات اللاجئين السوريين في ظل المتغيرات السياسية".

 * موقع سوريا المستقبل: مقال "واقع وتحديات اللاجئين السوريين في أوروبا".

*قرارات استيعاب الطلاب المنقطعين عن دراستهم الجامعية  

https://www.youtube.com/watch?v=-4nBU7L9E0Y

حيث يسلط هذا المقطع الضوء على الإجراءات الحكومية الجديدة لتمديد فترات استقبال طلبات الطلاب الذين انقطعوا عن دراستهم بسبب ظروف الثورة السورية لتسهيل عودتهم الأكاديمية

 

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026

642.00 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026